فخر الدين الرازي
114
المطالب العالية من العلم الإلهي
هاتين القوتين . وليس من شرط حصول هذه الصفة ، كونه قادرا على الأحوال التي طلبتموها مني . ومن جملة الآيات الدالة على صحة ما ذكرناه أيضا : أنه تعالى لما قال في سورة الشعراء : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » أورد عليه سؤالا ، وهو أنه : لم لا يجوز أن يكون هذا من تنزيل الشياطين ؟ فقال جوابا عنه : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ثم بين الجواب ، فقال : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ والمعنى : أنه إن كانت الدعوة إلى طلب الدنيا « 2 » وطلب اللذات والشهوات ، كان ذلك الداعي أفاكا أثيما ، والذين يعينونه عليه هم الشياطين . وأما أنا فأدعو إلى اللّه ، وإلى الإعراض عن الدنيا ، والإقبال على الآخرة ، ولا يكون هذا [ بإعانة الشياطين « 3 » ] بل بإعانة اللّه تعالى . فاستدل بكون دعوته إلى اللّه تعالى وإلى الحق ، على كونه نبيا صادقا ، لا ساحرا خبيثا . ولما أورد عليه سؤالا آخر ، وهو : أن لكل واحد من الشعراء شيطانا يعينه على شعره ، فلم لا يجوز أن يكون حالك كذلك ؟ أجاب عنه بقوله : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ والمعنى : أن الشاعر إنما يدعو إلى الطمع في الدنيا وإلى الترغيب في اللذات البدنية ، وأما أنا فأدعو إلى اللّه تعالى وإلى الدار الآخرة ، فامتنع أن يكون الناصر والمعين في هذه الطريقة : هو الشياطين . فظهر الفرق وقد ظهر بهذه الآيات : أن الطريق الذي ذكرناه في إثبات النبوة هو الطريق الأكمل الأفضل [ واللّه أعلم « 4 » ] .
--> ( 1 ) الشعراء 192 . ( 2 ) النساء ( ط ) . ( 3 ) سقط ( ت ) . ( 4 ) من ( ل ) .